أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي

32

تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )

النكباء « 1 » ، وأظلمت الشواهق والأعماق ، وغصّت بالزّمهرير الآفاق ، حتى يرى الموت الأحمر عيانا ، والعذاب الأكبر حقيقة وبيانا . فعندها أمر الأمير بإلقامها ضربا من النجاسات تعمدا ، فقامت القيامة على الكفرة الفجرة ، وتوالت عليهم الصواعق والقوارع ، وأحاطت بهم الرياح الزّعازع ، ومدّت السماء عليهم سرادق البرد والخصر « 2 » ، وأثارت عليهم زعازع الإعصار والقتر ، حتى عميت عليهم المذاهب والمهارب ، وانسدّت دونهم المساري والمسارب ، فاستسلموا لفرط الهول والوهل ، وشهدوا بأن قد شاهدوا الموت قبل حلول الأجل . وأرسل چيبال يطلب الصلح ، ويستكفّ الحرب على مال يؤديه ، وحكم للأمير في فيلته ومملكته يمضيه ، فهمّ الأمير بإجابته إلى ملتمسه إشفاقا على أوليائه ، أو لصواب عنّ له في رأيه ، فنهر السلطان يمين الدولة وأمين الملة أولئك الرسل نهرا ، وأبى أن يكون فيصل الحرب إلّا عنوة وقهرا ، حميّة للإسلام والمسلمين ، وثقة بالله ربّ العالمين ، فانصرفوا بما عرفوا من صورة الحال ، وضيق المجال . [ 16 ب ] فاضطر « 3 » چيبال ما أعياه من الحيلة في أمره إلى إعادتهم في طلب المكافأة خاشعا ، والتماس الموادعة طائعا ضارعا . وكانت زبدة كلامه أنكم قد عرفتم حميّة الهند ، واستهانتهم بالموت إذا طرقهم طارق محذور ، وحزبهم حازب مكروه ، فإن يكن امتناعكم عن الصلح طمعا في الغنيمة والفىء والفيلة والسبي ، فما هو إلّا صرّيّ « 4 » عزم نمتطيه في استهلاك الأموال ، وسمل الأفيال ، وعرض الغلمان على النيران ، ومشي الرجال بعضهم إلى بعض بأطراف الحراب ، وظبات السيوف . ثم شأنكم وما يبقى من جماد ورماد ، وموات ورفات .

--> ( 1 ) الريح الناكبة . ابن منظور - لسان العرب ، مج 1 ، ص 771 ( نكب ) . ( 2 ) البرد . ابن منظور - لسان العرب ، مج 4 ، ص 243 ( خصر ) . ( 3 ) وردت في ب : فاضطرب . ( 4 ) بوزن جنّيّ . صرّيّ العزم أي ثابت العزم . ابن منظور - لسان العرب ، مج 14 ، ص 460 ( صري ) .